الذهبي

132

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام

رأسي إلى السماء ، فإذا جبريل في صورة رجل صافّ قدميه في أفق السماء ، فقال : يا محمد أنت رسول اللَّه وأنا جبريل ، فوقفت انظر إليه ، فما أتقدّم ولا أتأخّر ، وجعلت أصرف وجهي عنه في آفاق السماء ، فلا انظر في ناحية منها إلّا رأيته كذلك ، فما زلت واقفا حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي ، فبلغوا أعلى مكة ورجعوا إليها ، وأنا واقف في مكاني ذلك ، ثم انصرف عنّي ، فانصرفت إلى أهلي ، حتى أتيت خديجة ، فجلست إلى فخذها مضيفا إليها [ ( 1 ) ] فقالت : يا أبا القاسم اين كنت ؟ فو اللَّه لقد بعثت رسلي في طلبك حتى بلغوا أعلى مكة ورجعوا ، ثم حدّثتها بالذي رأيت ، فقالت : أبشر يا بن عمّي [ ( 2 ) ] وأثبت فو الّذي نفس خديجة بيده إنّي لأرجو أن تكون نبيّ هذه الأمّة [ ( 3 ) ] . ثم قامت فجمعت عليها ثيابها ، ثم انطلقت إلى ورقة بن نوفل ، وهو ابن عمّها ، وكان قد تنصّر وقرأ الكتب ، فأخبرته بما رأى وسمع ، فقال ورقة : قدّوس قدّوس ، والّذي نفسي بيده لئن كنت صدقت يا خديجة ، لقد جاءه النّاموس الأكبر الّذي يأتي موسى ، وإنّه لنبيّ هذه الأمّة ، فقولي له فليثبت ، فرجعت خديجة إلى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم فأخبرته بقول ورقة ، فلما قضى جواره طاف بالكعبة ، فلقيه ورقة وهو يطوف فقال : أخبرني بما رأيت وسمعت ، فأخبره ، فقال : والّذي نفسي بيده إنك لنبيّ هذه الأمّة ، ولقد جاءك النّاموس الأكبر الّذي جاء موسى ولتكذّبنّه ولتؤذنّه ولتخرجنّه ولتقاتلنّه ، ولئن أنا أدركت ذلك اليوم لأنصرنّ اللَّه نصرا يعلمه ، ثم أدنى رأسه منه فقبّل يافوخه [ ( 4 ) ] .

--> [ ( 1 ) ] أضفت إلى الرجل : إذا ملئت نحوه ولصقت به . [ ( 2 ) ] في بعض المراجع « يا بن عم » وكلاهما صواب . [ ( 3 ) ] سيرة ابن هشام 1 / 269 ، نهاية الأرب 16 / 170 ، 171 ، عيون الأثر 1 / 86 . [ ( 4 ) ] سيرة ابن هشام 1 / 270 ، الروض الأنف 1 / 274 ، نهاية الأرب 16 / 171 ، 172 ، عيون الأثر 1 / 86 ، 87 ، السير والمغازي 122 .